“Me, The Other, and My Mother” is a tender and introspective piece that blends lyrical prose with deep reflections on memory and identity. It follows a middle-aged school principal who, on the eve of turning fifty, receives a mysterious nocturnal visit from his long-departed mother. What unfolds is a quiet, emotionally charged encounter in which the boundaries between life and death blur, revealing old wounds, unspoken tenderness, and the enduring weight of longing. Through Sakin’s subtle fusion of realism and soft magical elements, the story captures the emotional landscape of Sudanese life while exploring universal themes of guilt, love, reconciliation, and the persistence of memory.
ً عمري الآن خمسون عاما، وهو نفس عمر أمي حينما توفاها الله منذ ثلاثني سنةً بالكمال والتمام، وأحكي الآن عنها ليس من أجل تخليد ذكراها الثلاثني، كما يفعل الناس؛ أن ً يحتفوا بذكرى وفاة أمهاتهم اللائي يحببن، ولو أنني أحبها أيضا، إلا أنني أحكي الآن عنها تحت ضغط وإلحاح روحها الطاهرة، أقول ضغط وإلحاح، وأعني ذلك، على الرغم ُ من أن أمي ماتت منذ أكثر من ربع قرن إلا أنني لم أحس بأنها ميتة؛ لأنها بالفعل لم تك كذلك، إنها أخذت إجازة طويلة ونهائية عن مشاغل الدنيا الكثرية ومني أنا ابنها الوحيد بالذات، رفيق شقائها وسعادتها، ولكن أمي حاملا تراجعت — مع مرور الزمن — عن
ً فكرة الإجازة بعد ثلاثني عاما فقط، وثلاثون سنةً في زمن املوتى — كما تعلمون — ليس بالكثري، يُقَ ال إن موتهم قد يطول إلى الأبد.
ً بالأمس القريب بعدما قضيت نهاري الطويل في املدرسة؛ حيث أعمل مديرا في مرحلة ُ الأساس، وأنفقت مسائي البائس في نادي املعلمني ألعب الورق وأثرثر، ع ُدت مرهقً ا للبيت ْ الذي أقيم فيه وحدي، بعد أن تزوجت أكبر بُنياتي في هذا الأسبوع وذهبت مع زوجها ً تدب في بلاد الله الواسعة، مثلما فعلت ابنتاي اللتان تصغرانها عمرا في السنتني املاضيتني، ْ وتزوجت ً زوجتي أيضا قبل أكثر من عشر أعوام من رجل يقولون إنه حبيبها الأول، بالطبع بعد أن طلقتني عن طريق محكمة الأحوال الشخصية بدعوى أنني لا أنفع كزوج أو رجل وأنها كرهتني، ويعلم الله أنني لست بالشخص البغيض، والدليل على ذلك أن بناتي الثلاث اخترن أن يبقني معي في البيت ورفضن أن يذهبن معها إلى بيت والدها ثم إلى بيت زوجها الجديد، فمن منا البغيض واملكروه؟ هذا موضوع لا أحب أن أتطرق إليه إطلاقًا، فهي على أية حال أم بُنياتي الثلاث، كنت مرهقً ا، زحفت إلى سريري زحفً ا، رميت ٍّ ى لي من أم ٍ وزوجة وبنات، كان بجسدي على اللحاف الطيب الحنون، فهو آخر ما تبقَّ موسيقى العظم ِ املصدر الوحيد الذي يمنحني الحنان باحتضانه لجسمي النحيل الهرم، كعادتي أترك إضاءة خافتة فاترة تصدر من ملبة ترشيد استهلاك صينية صغرية بخيلة إلى الصباح، وكدت أن أغمض عيني حينما سمعت كركرة كرسي على البلاط، ثم رأيت على ضوء النيون الترشيدي الصيني البخيل امرأةً شابة تسحبه نحوي ثم تجلس عليه، قرب رأسي مباشرة، يَّة لا تُ ْخ ٍ طئ، ولو أنه كان لوحيد مثلي أن يخاف، بل أن يُ َجن من تحملق في وجهي بحنِّ الخوف، إلا أنني صحت في دهشة وترحاب غريبني: الله! أمي آمنة!
ابتسمت املرأة الشابة الجميلة الحنون، وقد بدأت تتحدث في هدوء، حكت قصة ُ ا، أخذت ُّ أستمع إليها في صمت وتعجب حياتي منذ ميلادي بالدقيقة والثانية، حدثًا حدثً كأنما من يُحكى عنه ومن يُحكى له ليس سوى صنوين لي ضالني، كنت أكتشف تدريجيٍّا ُ أن حياتي كلها معصية، وأنني كنت أجري وراء ملذات الدنيا وسقطاتها، ولو أن بعض الحوادث كانت تشري بوضوح إلى نُبلي ونقاء سريرتي إلا أن املحصلة النهائية تبدو كما ُ ذكرت ْ ، لا أدري كم من الزمن مكثت تحكي قرب رأسي، ولكنها بلا شك بقيت هنالك زمنً ً طويلا ْ ، ولا أدري كم حكاية حكت ْ ، ولكنها بلا شك حكت حكايات شتى، ولا أعرف متى ِنْم ُت ً ولكني بلا شك قد نمت متأخر ٍّ ا جدا؛ لأنني لم أستيقظ كعادتي — مثلي في ذلك مثل ً كل مديري املدارس — عند الرابعة صباح ً ا، بل أيقظني خفري املدرسة مندهشا في فسحة
ً الفطور حوالي العاشرة والنصف صباحا، وثأثأ فيما يعني أن الجميع افتقدني، لقد كان ٍ أخرس ذا لغة ْ ملتبثة، بقيت في رأسي جملة واحدة من كلامات أمي: أنا كل يوم معاك لحظة بلحظة.
ُتهم بالجنون، ُّ ا من السخرية والشماتة أو أن أ ِ لم أحك لأحد ما دار بيني وبني أمي خوفً ِ وربما قد أفقد وظيفتي إذا تأكدت ُ الإدارة من أنني جِننت، وخاصة أن للبعض مصلحة ُ بعد، بصراحة لدي أعداء ك ْ ثر، تكتمت على الأمر، اتصلت بي ابنتي الكبرى أمونة ُفي أن أ َّ سميتها على أمي، سألتني عن صحتي وعن الوحدة وملحت لي بأنه يجب عليَّ أن أتزوج ولو من امرأة كبرية في العمر؛ لأنني — في تقديرها — أحتاج إلى رفيق في وحدتي، وأنها ُ لها طفلان، ادعيت بأنني لم أفهم ما ترمي إليه، ربما لأنني تعرف أربعينيةً جميلةً مطلقةً ِ لا أرغب في الزواج؛ فقد أصبحت املرأةُ عندي كائنً ً ا جميلا يَ ْصلُح لكل شيء ما عدا الزواج، ٍّ في هذا املساء كنت مستعدا ملحاضرة أمي آمنة، جاءت وكانت في كامل شبابها وجمالها في ٍ أثواب نظيفة َّملو ٍنة ٍ زاهية تشع بهجة،ً قالت لي: ظاهر عليك الليلة جاهز من بدري.
ْ فجأة خطرت لي فكرة غريبة، وشرعت في تنفيذها مباشرة، هكذا أنا أفكاري في َ أصابعي، مَد ُدت ً أصابعي نحوها متحسسا أثوابها، فإذا بكفي تقبض الهواء، تمام الهواء، أنا، الأخرى، وأمي أما هي فقد اختفت، سمعت نداءها يأتي من أقاصي الغرفة قائلة بصوتها الذي لم يفقد حلاوته طوال السنوات التي قضتها تحت التراب: أنا صورة وصوت، صورة وصوت فقط.
قلت لها: أنا خايف تكون دي هلوسة، هلوسة ما أكتر؟
ً قالت لي بذات الصوت الذي أعرفه جيد ً ا وصاحبني طفولتي كلها: أنا كنت دائما قريبة منك.
َّ أمي وأنا كنا صديقني حميمني، مرت بنا سنوات شدة عصيبة وسنوات فرح عظيمة ً أيضا، أنا ابنها الوحيد ولا أب لي أعرفه إلى اليوم، منذ أن تفتحت عيناي على هذا املخلوق َ ا عن حبَّة الرقيق النشط، الذي لا يستريح من العمل، الذي يسعي مثل نمل الأرض بحثً ً عيش نطعمها معا، كانت توفر لي كل شيء أطلبه، ومهما كان عصيٍّا، وأذكر أنني طلبت منها ذات مرة أن تشتري لي دراجة هوائية مثلي مثل صديقي في املدرسة والصف والكنبة َ أبكر إسحاق.
وأذكر إلى اليوم كيف أنها انتهرتني، بل قذفت في وجهي شيئًا كان بيدها في ثورة وغضب، وأنها صرخت فيَّ ُ مؤنبة: إنت قايل نفسك ود منُو؟ ود الصادق املهدي؟
ًسؤالا آخر.
بالطبع ما كنت أعرف من هو الصادق املهدي، ولكن سؤالها أثار فيَّ ُ أنا ود منو؟
ُ ولم أسألها؛ لأن السؤال نفسه لم يكن م ٍّ لحا بالنسبة لي؛ لأنني لم أعرف قيمة الأب َ ولا أهميته ولا وظيفته، بالتالي لم أفتقده، والآباء الكثر الذين في حيِّنا لم يقم واحد منهم بعمل خارق تعجز أمي عن القيام به، بل إن أمي هي التي كانت تفعل ما لم يستطع ُّ الآباء فعله، فهي تبني وتصون بيتنا بيديها، وتصنع السدود الترابية لكي تمنع مياه الخريف من جرف قطيتنا؛ حيث إن بيتنا يقع على تخوم خور صغري، ولم أر أبًا فعل ذلك، كانوا يستأجرون العمال حتى لصنع لحافاتهم ومراتبهم وغسل ملابسهم، إنه لأمر أدهشني كثريًا، أضف إلى ذلك أن أمي تعمل خارج املنزل في وظيفة مهمة، إنها تبيع الشاي والقهوة عند بوابة السجن ويستلف منها الجميع، حتى املأمور نفسه؛ لذا التبس ِ علي الأمر، والآن ولأول مرة أعرف م ٍ ن أمي أن من وظائف أب ٍ غامض يُسمى الصادق َّ املهدي تقديم الدراجات الهوائية إلى من هم أطفاله، ولكن الشيء الذي أطاح بسؤال الأب نهائيٍّا أن أمي آمنة بعد ثلاثة شهور أو أكثر اشترت لي دراجة هوائية، ولو أنها ليست ً جديدة تمام ٍّ ا مثل دراجة أبكر إسحاق، وأنها مستعملة من قبل، إلا أنني فرحت بها جدا ً وخصوصا بعد أن أكد لي أصدقائي أنها دراجة جميلة وهي أجود من دراجة أبكر.
موسيقى العظم ُ أمي تعمل في ص َّ نع الزلابية وأقوم أنا ببيعها للجريان في الصباح الباكر وتعمل فراشة ُ في السجن ما بعد بيع الزلابية وشر ِ ب الشاي، وعندما تركت العمل في السجن عملت بائعة
للشاي عند باب السجن كمحاولة منها لتحويل زملاء الأمس إلى زبائن اليوم، وبالفعل ً استطاعت أن تكون منافسا حقيقيٍّا لأم بخوت، وهي إحدى زبوناتها في املاضي عندما ُمو) أعني: لا ُ
َّ كانت أمي تعمل فراشة، أما أنا فذلك الولد الذي يُ ُ طلق الناس َ عليه (وْد أ ً أبرح مجلسها أبدا، بعد نهاية اليوم الدراسي أحضر إلى موقع عملها، أغسل لها أكواب ُّ الشاي الفارغة، أحمل الطلبات البعيدة إلى الزبائن، أشتري لها السكر والشاي الجيدين ًدا من الدكان، أحكي لها عن التلاميذ، الحصص واملعلمني، وعندما أنعس تفسح لي مرقَ ً خلفها فارشة لي برش َّ ا من السَع ً ف، متوسدا حقيبة املدرسة، عجلتي الجميلة قرب رجلي تنتظرني، أنام.
ِ قلت لها في جرأة: أنت وين الآن؟ في الجنة؟ في النار؟ في الدنيا؟ ووين كنت الزمن دا كله؟
قالت لي: أنا هنا.
كانت تجلس في الكرسي كما هو في اليوم الأول، سألتني عن مبررات كل ما قمت به في يومي هذا، وكنت أجيبها بصدق، تعلِّق أحيانًا أو تصمت في أحايني كثرية، ولكنها بشكل ٍّ عام كانت تؤكد على أنه ليس مهم ً ا أن ما أقوم به مقبولا خريًا أم لا، لكن املهم هو: هل أنا ً أجد مبرر ٍ ا ملا أقوم به أم لا، هل أنا راض عن نفسي أم لا.
ِ سألتني: هل توافق على اقتراح بتَّك أمونة؟
ُ در على النساء، كبرت ُ وفقدت الرغبة في املواضيع دي، وأنا الآن قلت: أنا ما أظنني بَقْ قادر أقوم بواجب نفسي بنفسي من طعام وشراب ونظافة، املرأة الحقيقية الوحيدة في ِ حياتي هي أنت وكفاية.
ابتسمت أمي آمنة ابتسامة عميقة وحلوة، ثم تلاشت تدريجيٍّا في فضاء الغرفة، في الصباح الباكر اتصلت بي ابنتي أمونة مرة أخرى وقالت لي بوضوح أنها سوف ترتِّب لي َّم أنا حر في أن أرتبط بها أم لا، قلت ٍ لقاءً مع أربعينية ٍ جميلة ٍ مطلقة لها طفلان، ومن ثَ لنفسي: ماذا ستخسر؟ فليكن.
كانت امرأة جميلة، لها ابتسامة دائمة في وجهها، لا تحتاج لسبب وجيه لكي تضحك، ً فهي تضحك باستمرار، وتستطيع أن تقنع أي إنسان مهما كان متشائم َّ ا أن يرد على ُ ابتسامتها بابتسامة أخرى حتى ولو كانت باهتة تعبة، ولكن الشيء الغريب فيها واملدهش أنا، الأخرى، وأمي ً واملخيف أيضا أنها ترتدي نفس امللابس التي كانت ترتديها أمي آمنة بالأمس، نفس الحذاء، نفس الصوت نفس الطريقة في الكلام، نفس الوجه، نفس الابتسامة، وأستطيع أن أقول إنها نفس املرأة.
الخرطوم
٢٠٠٨ / ٦ / ١١
Comments