farber 1

ستموتُ بعدَ قليل

ستموتُ بعدَ قليل

Translated by: ريم غنايم

سوسيتا بيضاء مربعة بدت عليها علامات التعب، كانت تتلمّس طريقها بعد ظهر يوم السبت على طريق قديم وضيق يتلوّى نحو الجنوب. كان الطفل نفسه جالسًا فيها، برفقة والده، والدته، وأخته الصغيرة.
كانوا في طريقهم لزيارة الجدّين اللذين يعيشان في إحدى مستوطنات السهل الساحلي. وبناءً على طلب الطفل، استمعوا في الطريق إلى برنامج الإذاعة “أغانٍ وأهداف”. كان مقدّمو البرنامج يتحدثون بصوت فاتر وكسول، يُحلّلون النتائج المرحلية في الاستوديو، ومن حين لآخر ينقلون البث إلى المراسل من “استاد بلومفيلد في يافا!”، كما كان يصرّ المقدم النعسان على الإعلان.
ظل الطفل صامتًا يصغي إلى البث، وكانت أخته الصغيرة تغفو هي الأخرى. كان فريق مكابي تل أبيب متأخرًا بهدف مقابل لا شيء، وهو أمر لم يرق له. وبين تقارير الملاعب، غنت فرقة “كافيرِت” أغنية “جزمة باروخ”، وكانت أصوات خطوات الجزمة تتردّد، ترتطم بجدران السيارة، وتدوّي في داخلها، ثم تعود لترتدّ إلى آذان المسافرين. راح الطفل يتأمل أطراف الطريق، الأرض اليابسة المملوءة بالحجارة، الأشجار الذابلة، والشجيرات المتناثرة. وعندما مرّوا بجانب المجلس المحلي غديرا، أشارت له والدته إلى لافتة على سطح مركز تجاري وحيد قائم على جانب الطريق.
كان مكتوبًا على اللافتة: “فوتو تسفي”. قالت له: “هنا التُقِطَت صورتك وأنت رضيع.” فكّر الطفل. أدار رأسه إلى الوراء، عدّل وضع نظارته السميكة على أنفه، ونظر من النافذة الخلفية إلى المبنى الكبير، المتداعي والمهجور، حتى صار أصغر فأصغر، خفت، تلاشى، ثم اختفى عن ناظريه.

كان الجدّان في انتظارهما في البيت العائلي القديم، ذلك الذي نشأ فيه الأب، بينما مكث الطفل قليلًا في السوسيتا المُشغّلة ليستمع إلى بث نتائج المباريات النهائية. حينها خرج الجد من المنزل، نحيفًا ومنحنيًا لكنه لا يزال طويل القامة، واقترب من السيارة مرتديًا فانيلة بيضاء احتفالية ليوم السبت. كانت بشرة ذراعيه الرخوة تغلّف عضلاته الطويلة، وأذناه الرقيقتان منتشرتين على جانبي صلعته الباهتة كمروحة قرمزية ضخمة. وقف هناك ولوّح بقبضته الكبيرة النحيفة أمام نافذة السيارة، وطرق عليها مرة ومرتين، كمن يوبّخ وينذر، كيف تجرأ الحفيد أن يصل إلى هنا ولم ينزل لتحيته؟
ما إن نزل الطفل من السيارة وحيّا جده، حتى دخلا معًا إلى داخل المنزل. مضى الطفل ليقول مرحبًا أيضًا لجدته، فوجدها في المطبخ: امرأة قصيرة، ممتلئة، تعتمر وشاحًا على رأسها، واقفة بانحناءة، يتصبب العرق من جبينها، فوق البلاط الأصفر البالي، وتعصر البرتقال لتعدّ العصير. كانت رائحة الفاكهة المقطّعة تملأ أرجاء المطبخ الصغير، فابتسمت الجدة له.
ناولته بيدها الرطبة بعصير البرتقال كأسًا زجاجيًا ممتلئًا، ملوّث الحواف، وطلبت منه أن يشرب، وأن يُحضِر أيضًا كؤوسًا من “عصير تفاح الذهب”، كما كانت تسميه هي والجد، لأخته ووالديه. عندما عاد إليها وقد نفذ ما طلبته منه وشرب من العصير، مسحت يديها بطرفي مئزرها الأبيض، نظرت إليه، وابتسمت من جديد، خلعت المئزر، وأشارت بذقنها نحو غرفة الجلوس. هناك، في زاوية ظليلة، كانت أريكة قديمة بانتظارهم، مكسوّة بقماش كوردروي أخضر باهت.
جلست الجدة بثقل على الأريكة، مدت ساقًا قصيرة معاقة إلى الأمام، منتعلة حذاءً عاليًا (لم يسأل أحد قط، فقد خجل، لكنهم قالوا إن بقرة ركلتها قبل سنوات)، وأسرع الطفل ليجلب أخته الصغيرة. حينها بدأت الجدة تدندن بلحن بلا كلمات، بنغمة قديمة بعيدة: “يام، تيدلي، يودا، يودا…”، هكذا بدا صوتها.
وراح يرقص بجنون، يهزّ رأسه، يلوّح بيديه، يركل برجليه في الهواء كالمجنون، يقفز ويدور بحماسة مع أخته الصغيرة، حتى ضاق نَفَسُه. وفي اللحظة التي كانت الجدة تصمت فيها، كان عليهما أن يتجمدا فجأة، أن يتوقفا تمامًا في مكانيهما. هكذا كانا يرقصان معًا، هو وأخته الصغيرة، في كل مساء سبت، أسبوعًا بعد أسبوع، عامًا بعد عام.
مضى الطفل وحده إلى بستان جدّه، تائهًا بين أوراق الأشجار الداكنة الكثيفة. شعر بنسيم يهبّ بين الأغصان والأوراق، يلامس وجهه برقة. في أقصى طرف البستان، على بُعد عشرات الأمتار، كان الجد قد شيّد قبل سنوات سياجًا يحيط بالبستان، من سعف النخيل اليابس. تأمل الطفل السور القديم بحذر، مدّ يده إلى الأعلى بتردّد، حذرًا من أن تجرحه أشواك السعف الجاف، ثم استدار عائدًا إلى أشجار الفاكهة.
حبّات كلمنتينا صغيرة، نضرة وبرتقالية، كانت تطلّ من بين الأوراق الخضراء الرفيعة. فانحنى الطفل، وتفحّص الأرض أسفل شجرة كانت أغصانها تمتد فوقه كفطر عملاق، ونظر إلى الجذع. “إذا ما اضطررت يومًا”، فكّر، “سآتي لأختبئ هنا. جدّي وجدّتي سيطعمانني، وإن اضطررت للاختباء منهما أيضًا، فهناك ما يكفي من الكلمنتينا.” تمدّد على الأرض المظللة تحت الشجرة، وغطّى جسده الصغير بأوراق ذابلة، هشّة، متفتتة. من عساه يعثر عليه هنا؟ هكذا فكّر، سأدع الزمن يمر، أرى ما سيحدث، لن أعود أبدًا.

وصلوا إلى بيت العمة أيالا، والعم موشيه، وابنهما عوديد، الذين كانوا يعيشون في موشاف قريب، وذلك مع اقتراب مساء السبت، بعد زيارتهم للجدين. كان موشيه شقيق الجد، أي عمّ الأب، لكن الجميع، وليس الوالدان فقط، بل حتى الطفل نفسه، كانوا ينادونه “العم موشيه”.
ركن الأب سيارة السوسيتا قرب بيت الأقارب، على طرف الطريق الترابي، وترجّلوا منها، وسلكوا ممرًا حجريًا ضيقًا بين عشرات نباتات الصبّار التي زرعتها العمة واعتنت بها، ثم دخلوا إلى المنزل.
كان للعمة والعم ثلاثة أبناء، وقد غادر يغآل وتسفيكا، الأكبر سنًا، المنزل، ولم يبقَ فيه سوى عوديد، أصغرهم. أنهى خدمته العسكرية، وبدأ دراسة الزراعة، وكان من المتوقع أن يواصل العمل في المزرعة. قال الجد ذات مرة: “هم يأملان أن يكون عوديد سندهم في شيخوختهما.” كان الثلاثة: العمة، العم وعوديد، يعيشون في بيت صغير على هيئة مكعب، وسط الموشاف، كوحدة محبة متكافلة، يتّكئ فيها كل فرد على الآخر. آنذاك، قبل الحرب القادمة، كان مزاج الجميع رائقًا ومبتهجًا إلى حدّ ما. جلس الوالدان مع العم والعمة، وخرج عوديد مع الطفل إلى الجرار في الفناء.

صعد الطفل إلى الجرار الأخضر، وطوّق خصر عوديد بذراعيه. ورغم صِغره الشديد، شعر وكأنه هو من يحرس عوديد، يشدّه كي لا يسقط. انحنى عوديد برأسه، وابتسم، وكانت عيناه تضحكان. دُفع الجرار إلى الحركة. في البداية، أصدر زئيرًا يشبه السعال، رعدًا متواصلًا، ثم انطلق صاعدًا الطريق الترابية.
كان الطفل يحدّق في البيوت الباهتة المرتفعة، وفي الحقول الواسعة التي لفحتها الشمس.
أدار رأسه نحو عوديد الجالس خلف المقود، أسمر، طويل القامة، يضحك، أسنانه ناصعة، وفوق شفته العليا ظلّ خفيف لشارب، وشَعره الكثيف يتطاير في الريح. واصلا السير، يسبقانه قليلاً، ذلك الغبار الرمادي الكثيف المتصاعد من خلفهما، المسرع، كأنه يلاحقهما، مهددًا بابتلاعهما. وعند تقاطع طرقٍ ترابية في أعلى الطريق، انعطفا في قوسٍ واسع، وعادا أدراجهما.
عاد الاثنان إلى بيت العم والعمّة. قسّم فاصل خشبي قديم، داكن وثقيل، الغرفة الكبيرة إلى جزأين، فَصَل بين المطبخ وغرفة الجلوس. وعُلّقت فوق الفاصل ساعة وقواق خشبية. اقترب عوديد من الفاصل، رفع يده وأدار عقارب الساعة حتى أشارت إلى ساعة تامة، غالبًا أراد أن يُفرح الطفل. وما إن فعل ذلك، حتى خرج طائر الوقواق الخشبي من محبسه، صاح وعاد، معلنًا بصوت عالٍ: “كوكو – كوكو!”، ليعلن عن ساعةٍ زائفة، تلك التي أشارت إليها العقارب، ساعة غير صحيحة.
ثم، كتحية وداع، مال برأسه الخشبي وانحنى قليلًا، كأنه يبحث عن أحد. ابتسم الطفل، وشعر بحنان تجاهه، ولوّح له بيده. قال في قلبه: “أنا هنا! أنا هنا!”

كانوا يعتادون الجلوس في المطبخ عندما يزورون العمة والعم، حول الطاولة الصغيرة القريبة من فرن الخَبز. انضم الطفل إلى أمه وأبيه وأخته الصغيرة، وجلسوا جميعًا حول الطاولة، وقدّمت العمة أيالا سمكًا مملّحًا بالبصل، ووضعت إبريق ماء على الموقد لتحضير الشاي. “تعال، اجلس معنا”، قال الأب والأم لعوديد، “إن بقيت واقفًا، سينزل كل الطعام إلى ساقيك!”
لكن عوديد اكتفى بالضحك بخجل، وظل واقفًا إلى جانب الطاولة، مستندًا إلى الجدار، خجولًا، ولم يتحدث تقريبًا.

أنهى الضيوف وسكان المنزل طبق السمك المملّح، وختموا وجبتهم بالشاي والبسكويت. اعتادت العمة أن تخبز بسكويتًا شهيًّا، مربع الشكل ومقرمشًا، تنثر عليه قبل الخَبز قرفة وسكرًا خشنًا، حتى يُصدر قرقعة بين الأسنان عند تناوله. وحين كانت تشتدّ قساوته قليلًا، كانت تحفظه في علبة صفيح قديمة ومستديرة. شرب الطفل الشاي، وأخذ يمصّ قطع البسكويت في فمه. وأما العم موشيه، تمامًا كما كان يفعل الجد، فقد أخذ مكعب سكر أبيض، وضعه في فمه، وأبقى عليه بين أسنانه أثناء ارتشاف الشاي، على عادة الروس.

قالوا عن العمة أيالا إنها كانت في ما مضى امرأة جميلة جدًا. نظر إليها الطفل بدهشة، محاولًا أن يتبيّن في يديها آثار ذلك الجمال الموصوف بالكلمات، لكنه لم يرَ سوى يدين غليظتين، خشنَتين، تغطيهما شقوق العمل الشاق، كيديّ فلاحة.
وجد ما تبقى من الجمال في عينيها بالذات – صافيتين، زرقاوين، مضيئتين. كانت قد تزوجت من العم موشيه على عجل، بلا خيار، لأنها كانت، كما قالوا، متزوجة سابقًا لفترة قصيرة.
التقاها موشيه في المدينة الكبيرة، حين كانت تعمل في بقالة والديها في مستوطنة شارونا التمبلرية، فدخل لشراء شيء ما، وأسره جمالها. والآن، بعد عشرات السنين، يجلسان معًا حول الطاولة، يبتسمان، بوجوه مجعّدة، يحتسيان الشاي.
العم نحيل، هزيل، أصلع، يرتدي نظارات، يجلس صامتًا. أما العمة، فممتلئة الجسد، لا تكف عن الحديث.
ها هي تنهض، تمشي نحو علبة الصفيح القديمة المستديرة الموضوعة على الرخام، تخرج منها مزيدًا من البسكويت، تنثره بثقة في الوعاء، ثم تعود فتجلس، تلمس كتف العم الضيقة، وتنهض من جديد لتغلي الماء للشاي. شفاهها لا تهدأ، وصوتها عالٍ ونفّاذ، تلوّح بيديها بحيوية نشيطة. أما عوديد، فكان واقفًا في الزاوية، صامتًا، لا يقول كلمة.

استعدّ الضيوف للمغادرة. رافقهم عوديد إلى الباب، وفي الطريق، اقترب مجددًا من ساعة الوقواق المعلّقة على الحائط. للمرة الثانية، أدار العقارب كي يُسعد الطفل، كتحية وداع، محاولًا ضبطها على ساعةٍ كاملة، تلك التي تخرج فيها الطيور الخشبية من عشّها المطلي وتُطلق نداءها. لكن… ما الذي يحدث؟
ظلّ عوديد يدير العقارب، مرارًا وتكرارًا، وطائر الوقواق لا يزال حبيسًا.
راح الطفل يتساءل، لم يفهم لماذا يرفض الخروج، لماذا يتلكأ، ولماذا لا يعلن عن الساعة المتخيلة، الخاطئة.
ثم، أخيرًا، خرج طائر الوقواق من الساعة الخشبية المعلّقة على الحائط. أطل، جال بنظره حول المكان، تجاهل الطفل الذي كان يلوّح له بيده، وتجاهل الواقفين عند الباب، والجلوس حول الطاولة.
ثم رصد من كان يبحث عنه. وعندها، انحنى برأسه الخشبي نحو عوديد، وبدلًا من أن يعلن، كعادته، عن الساعة الخاطئة، أطلق، بصوتٍ أجوف، إعلانًا عن زمنٍ آخر. الزمن الحقيقي، الأبدي.
وظنّ الطفل أنه الوحيد الذي سمع.
قال له:
“وداعًا، يا عوديد. بعد قليل، ستموت.”

 


فصل من رواية تساحي فاربر “طيور مهاجرة”

Want Something Different?
Skip to content