كريم  الرومانسيّ مُحَمم الموتى

4 min

كريم  الرومانسيّ مُحَمم الموتى

4 min
EnglishעבריתArabic(original)
Short Summary

There is no doubt that the voice of the Palestinian writer Ziad Khadash is among the most important in the Palestinian literary scene, having left its mark on Palestinian creative writing for more than a decade. Khadash does not write stories from the traditional political framework of commitment to the Palestinian cause. Rather, he writes as a defeated fighter. He writes out of his commitment to Palestinian human rights and to Palestinian existential concerns, penetrating into the daily surreal scene of Palestinians living in a refugee camp. The short stories that Khadash writes sometimes become grotesque, and are rooted in the local life of Palestinian collective awareness. From there, he flies high into the cosmic. Reality is the raw material from which Khadash forms his plots–which abound in black humor, irony, and a macabre style that all work together to create texts of exceptional quality.

Throughout Kareem the Romantic, Khadash maintains a light balance between the different voices of his mysterious hero who combines sensitivity and reading with the harsh reality of the camp. As he combines elements of the living and the dead, and as he provides a devastating reflection of the brutality of daily life for everyone around him, Karim becomes a perfect representation of life and death–and the eternal shift between utopia and dystopia.

  “أنا رومانسيّ يا حيوانات وبعشق نزار قباني”. هذه هي جملة كريم الوحيدة التي يواجه بها اتهامات الناس له وسخريتهم منه. ومن هذه الجملة ألحق أهلُ المخيّم  باسمه كلمة الرومانسيّ، كلّما رأيت كريمًا الرومانسيّ في الطريق التي يمشي فيها الناس عائدًا الى المخيم أصيح فيه من بعيد: يا كريم، أبعد عن الطريق، سيغضب الناس وسيؤذونك.

 لكريم طرقٌ خاصة تأخذه إلى  بيته في المخيم، ويبدو أنه استسلم لهذا الحلّ، فلا أحد يشاركه طرقَه، وحين يصدف وأن يتوه شخص من المخيم، فيمشي في طرقه، يطلق كريم صيحاتِه من بعيد تفاديًا لتقزّزهم وخوفهم: “هييه يا ولد أنا كريم محمم الموتى الرومانسيّ، ابعد ابعد”.

ويحدث أن ينسى كريم أو يسأم، فيمشي في طرقنا احيانًا، فيصاب الناس بالجنون، ويلاحقونه من بعيد بالخوف والصرخات. فيهرول بعيدًا شاتمًا المخيّم والأقارب والجثث وفلسطين، ومتوعدًا إيّاهم بمصير مروع. 

” في النهاية راح تصلوا عندي يا جبناء ووقتها راح أخوزق جثثكم واحد واحد، وراح ألعب فيها الكورة”.

هنا يموت  الناس من الخوف ويتشارون محتارين، أيصالحون كريمًا إنقاذًا لجثثهم وجثث أقاربهم من التشويه، أم يشكونه الى الشرطة؟ يعرف  الناس أنّ كريمًا هو مُحمّم الموتي الوحيد في مشفى المدينة وأنّه ممنوع على أحد من أقارب الميّت الدخول أثناء تحميمه، وهذا يعطي  كريمًا ورقةً رابحة جدًا في حرب سكّان المخيم ضده، فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يفعل كريم مع الجثة التي يحمّمها، هل يسرق منها قطعًا، كما يُشاع عنه؟ هل يحشو في فتحاتها أشياء غريبة تفنّنًا في إهانتها؟ أم يبصق عليها و يصفعها ويركلها ويطعنها؟.

 وهكذا ترك كريم الناس ضحية تصوراتهم ووسوساتهم التي سبّبتها تهديداته لهم. 

 بدأت  قصّة الرّعب من  كريم من إشاعة أطلقها شابّ من المخيم كان يتعالج في المشفى:

“شفتُه حامل راس بني آدم وماشي فيه في ممرات المشفى والناس بتهرب من قدامه”.

“شفته  بعينك؟”

“والله شفته بعيني”.

  بعد الاشاعة بأيّام  كان كريم الرومانسيّ يصعد الى (فورد) المخيم حاملا على  كتفه كيسًا بلاستيكيًا أسود مملوءً بأشياء غريبة، الربّ وحده و كريم يعلمان ما فيه، بالصدفة كان بين الركاب، الشاب الذي رأى كريمًا مع الرأس البشريّ. أطلق الشاب صيحة هزّت  السيارة، (والله شفته بحمل راس بني آدم)، هرب الركاب من مقاعدهم في الفور بما فيهم السائق، ركضوا تجاه  شرطيّ مرور، وعادوا الى السيارة به، وهم يشيرون الى كريم الذي ظلّ وحده جالسًا مستغربًا ما حدث، كان الشرطي حائرًا وخائفًا.

لا أحد يحبّ كريم، في المخيّم، لا أحد يرغب في الحديث معه، لأنّ كريم ببساطة شخصٌ مخيف، يعيش في المخيّم مع زوجته وأطفاله الثلاثة، نوافذ بيته مغلقة أغلب الاوقات، أولاده يلعبون في ساحة خلفيّة محاطة بسور اسمنتيّ. تطورت الإشاعات عن كريم، ووصلت الى حدّ أنّه يقصّ قطعًا معينة من الجثث التي يحمّمها ويبيعها لليهود. صارت الحرب ضدّه غير عادية، فدخول كلمة اليهود فيها، أعطى  الاشاعة طابعًا حساسًا ومتوترًا.

لفتتني قصة كريم مع الجثث والناس والمخيم، قررتُ أن أمشي في طرقاته وأن أطرق بابه، قرّرت أن أعرف حقيقته وأكتب عنها.

“يا كريم أنا متعاطف مع محنتك، وأحب نزار قباني مثلك. أريد أن امشي في طريقك وأتحدث معك، أريد أن أكتب عنك”.

” أنت مجنون إذن لتخالف الناس، رائحتي نتنة، وفي جيوبي قطع بشرية، ومن المحتمل أن تتعرض للمرض، أليس هذا ما يشاع عني؟ اذهب في طريق الناس”.

رفضتني طريق كريم، رأيته يبتعد أمامي ويقف على طرف طريقه منتظرًا سيارة الاسعاف التي تأتي كل صباح لتقلّه الى المخيم، بعد أن رفض سائقو سيارات الاجرة نقله. لكنّي طرقتُ بابه مساء ما، وسط ذهول الجيران، حاملاً كرتونة كتب لنزار قباني، وسمعت امرأةً تقول لجارتها:

“شكله هذا بتاجر معاه بالجثث؟ شوفي الكرتونة اللي في إيده”.

فتح كريم الباب، رحّب بي بارتباك: “أهلا استاذ بس شو فيه؟” فتحت الكرتونة أمامه اندلقت كتب نزار، طار كريم من الفرح، أدخلني الى الداخل، نادى على أولاده وزوجته، فرحوا بالكتب وأصرّوا على أن أتعشى معهم، أمضيت الليل بطوله في ضيافة كريم، غمرني  بالفواكه وحلوى الحلبة والمخلوطة  والشاي، وغمرته بأحاديث وقصص عن نزار وحياته، وقرأت له شعرًا لم يقرأه كريم من قبل. رأيت في عيني كريم دموعًا، عانقني فجأة: 

“أستاذ معقول واحد بحب نزار يقصّ قطع بشرية ويبيعها ويحمل راس بشري ويمشي فيه؟”.

“طبعًا يا كريم، مستحيل، أنا اصلا ما اقتنعت بهاي الاشاعات  والدليل إنّي بسهر عندك”.

 في الصباح خرجت من بيت كريم، شيّعني على الباب، كان سعيدًا جدًا ومرتاحًا، عانقني، همس في أذني: 

 “أريدك أن تطمئن تمامًا يا أستاذ، سأحترمها  وسأحمّمها جيدًا وسأقرأ فوقها شعرًا لقصائد نزار التي أحبها”.

” تحترم من وتحمّم من، لم أفهم عزيزي كريم؟”

“جثتك الرائعة يا استاذ”.

 

Your next read
Skip to content