The blend between Adaf’s poetic and eloquent prose and the science fiction plot it relates, which painstakingly observes the rules of the genre, creates a rare literary hybrid. The nightmarish present – or is it the future in which the story takes place? – is perceived as an alienated, synthetic existence that adheres to a perverse but concrete logic. Adaf invents a world that has been thought out to the last detail and although it is clear that he is revealing only the tip of the iceberg of the sum of phenomena that comprise it, the picture portrayed before the reader is sharp and is impressed in the consciousness as a complete and conceivable reality. The reason for the presence of human beings on the satellite of this huge, unknown planet is revealed through nothing but insinuations – rebellion, sterilization, exile, the supporters of the regime and its opposers.
The father goes to meet his six year old son. At first it is only a lump of flesh that is to receive its form, a child’s form, via special programming. The child’s consciousness is empty. He remembers and knows only that which he remembered and knew two and a half years earlier, when he went to sleep and was “frozen”. This is a periodic meeting with his father. After it is over, the child will be put back to sleep outside the laws of time and space. He will remain forever six. Forever remember only what happened until he was frozen. His name is Ishmael; the banished, the rejected, the one who was expelled by his family and people. A child who lives forever in perpetuum mobile; falls asleep and awakens time and again, identical to himself, never growing, never wilting, eternal in his hermetically sealed bubble.
The meaning hides in the shadows – enigmatic, dark, a nightmare, a bleak prophecy or maybe a metaphor of something deeper, something nameless that cannot be described but by creating a virtuosic texture of language, images, sights, characters and the interaction between them, whose simplicity and humanity only accentuate the formless, primeval horror that is immersed in the inconsolable sense of loss that lies at the very basis of the work of prose before us.
نلجأ إلى لحظة الخلق مُرغَمين، فلا صورة أخرى تُسعفنا. تلك الهيئة المنبعثة من ارتباك المادّة. لا، ليس الارتباك، بل هي اللا مبالاة بالكينونة. أنا جاهز هذه المرّة، لقد استعددتُ لهذه المرّة. استلقيتُ يقظًا خلال اللّيل واستعدتُ المراحل في ذهني. يجب ألّا أهدر الوقت النفيس في الغثيان والذعر. قال التكنودرويد إنّ لا حاجة لذلك، يمكنك المكوث في غرفة الانتظار، يمكنك أن تذهب وتعود، سأحضره إليك. قلتُ إنّني أرغب بالمشاهدة. وكذا في الصباح، عند دخولي، أقول له ثانية إنّني أرغب بالمشاهدة. أتأمّل الشرنقة اللحميّة داخل الحُجيرة الزجاجيّة. لا أعرف ابنَ مَن كان بالأمس، أو ابنة أيّ طريد أو طريدة. ما زال معدوم الملامح للآن، ليس إلّا احتمالَ جسد. الألياف الضوئيّة تصل من أعلى الحُجيرة، موازية للجلد البرّاق، الصّناعيّ. أتخيّل صوت رضاعة، أتخيّل صوت تحصُّن. لكنّ المعلومات المتسارعة فيها صمّاء بلا صوت. التكنودرويد الواقف خلف شاشات الرّصد صامت هو الآخر، جفونه مُواربة. أنا على قناعة بأنّه ليس إلّا امتدادًا لغرفة الشّحن، تجسّدًا لها. الشرنقة اللحميّة آخذة بالتشكّل في الحُجيرة الزجاجيّة، تبحث عن القالب المُخزّن في المعلومات الواردة إليها من النسخة المحفوظة. أجهل طريقة إعادة برمجة المنظومة العصبيّة، لكنّني أرى علاماتها تتغلغل في الوجه المنبعث، في التعابير التي تستحضر كلّ واحدة منها الوجهَ الذي أعرفه، أتذكّره. إنّه عارٍ ويرتجف في الحُجيرة الزجاجيّة، ابني، ابن السنوات الستّ التي لا تتغيّر.
يستعرض بريبةٍ البيئة الغريبة من حوله. ورغم الاستعداد الدقيق أشعر بالشّلل. إنّها المرّة الثانية. يهرب اسمه من شفتيَّ، سلسلة واهية من المقاطع. أبي، يقول، أين أنا. الرعشة في صوته تتضاعف عشرات المرّات ويتردّد صداها في داخلي. أنا أجْوف، إنّها المرّة الثانية، والتكنودرويد يلمس كتفي. أشعر ببرد المادّة الصناعيّة عبر ملابسي. كم مرّ من الوقت، قرابة سنتين ونصف السنة على هذا القمر الصناعيّ ، أربعمئة وثلاثة وتسعون نهارًا محليًّا. ما زلت أعدّ في عقلي النهارات وفقًا لدورة الأرض حول محورها، على بُعد خياليّ من هنا، لكنّ العادة عصيّة على التغيّر. يجب عليّ أن أسترق النظر مرارًا إلى الساعة، في الرزنامة المزدوجة.
عاد صوتي إليّ، تعافى، بفضل البرودة المتغلغلة. إسماعيل، أقولُ. سُمّي على اسم والدي. يبتسم، ابتسامته شاحبة كشُحوبه. أقترب منه وأمسك بكتفيْه وأرفعه إليّ. أنت ثقيل، أقول له. يضحك. أنزله إلى الأرض. تتلوّى أصابع قدميْه من اللمس. يعطيه التكنودرويد ملابسَ، ارتداها في المرّة السابقة أيضًا. المقاسات لا تتغيّر.
هذا مستشفى، يقول، بنبرة تكاد تكون سؤالًا. كذبي جاهز معي، مُلمَّع. حاولت في المرّة الأولى أن أفسّر، رغم إرشادات التكنودرويد. قال لي إنّ ذكرياته الأخيرة تأتي من المخزون الاحتياطيّ. فهو على يقين بأنّه خلد للنوم في سريره. لا توجد طريقة لإعادة الدعم والتخزين. في كل عمليّة شحن سيكون الولد ذاته، الذي خلد للنوم في سريره. نعم، أقول لإسماعيل، كنتَ مريضًا، وكان علينا أن ننقلك إلى هذا المكان. الكذب عندي سهل وسليم. أين أمّي، يقول. ستأتي لزيارتك غدًا، أقول. لم يتهدّج صوتي. يقول، يجب أن أذهب إلى حفلة يارون وإفرات. آه، أقول، لقد أجّلوها من أجلك، ريثما تصحّ. من أجلي، يقول متأثرًا. السعادة القصيرة تسنده، تُغذّيه. إنّه ليس طفلًا محبوبًا في المدرسة. توسّلتُ والديّ التوأميْن أن يتدخّلا لصالحه وأن يُدعى للحفلة. كان ذلك قبل سنوات. من كان يتصوّر أنّهم يقومون بدعم وتخزين أولادنا في الفحوصات الطبيّة، ومن كان يتصوّر أن تندلع الثورة بعد شهر من حفلة عيد ميلاد هذيْن التوأميْن المُتعجرفيْن. مفارقة التسلسلات التأريخيّة تتعاظم عندما نحاول تثبيتها في أحداث حيواتنا. نخرج من باب محطّة الشّحن. لا يسأل عن وجهتنا.
في منتصف سَيرنا يستوعب. لقد استوعب في المرّة السابقة أيضًا، في الثانية عينها تمامًا. أنظر إلى الخلف وأخمّن المسافة. مئة وخمسون مترًا من المدخل. تتّسع عيناه في ذهول. أتابعه. يُدرك أنّ الضوء أخضر، كما يكون تحت الماء. الأفق مَشوبٌ بطيف أقوى وأصفر في أطرافه. في الأفق على يميننا كوكب سيّار ضخم، كأنّه منغمس في أطراف سفح الجبال، مُحاط بدوائرَ. المعادن الكامنة في الأطواق الصخريّة تصبغ الإشعاعات المرتدّة بلونها. تمتدّ يده إلى يدي تلقائيًّا. أمسك بها. تتعرّق راحة يدي قليلًا، رغم درجة الحرارة المُتدنّية. جسده الصناعيّ يُنظّم درجة حرارته جيدًا، وملابس الكتّان خفيفة فوق جسده. أبي، يقول. أقول، جميل، صحيح، وطعم الكلمات في فمي معدنيّ. أين نحن، يقول. أقول، أنت تذكر بدلات الواقع المتخيّل في المجمع التجاريّ. نعم، يقول. لذلك، أقول، هذا المَشفى خاصّ. مثل شريط من الواقع المتخيّل. ولكن مِمَّ أعاني، يقول. أقول، مرض نادر، أنت تبيت في مَشفاهم. مَشفاهم، يقول. نعم، أقول، مَشفاهم. يومىء برأسه. حتى أولادنا يعرفون أنّنا لا نَطال تقنيّاتهم. تعالَ، أقول، سأريكَ.
وهذه المرّة خالية من تعثّرات وتخوّفات المرّة السابقة. في هذه المرّة أنجح. أقول لنفسي، هذا إسماعيل، الذي لم أرَهُ طيلة سنتيِّ الثورة، إنّه هو، وُلد من التفكير والتوْق، دعوتُه عبر حواجز المكان والسّاعة. وبمعيّة عينيْه أنا في حِلٍّ ليوم واحد من الكراهية وشهوة الانتقام. وتبدّى لي جمال كوكب المنفى هذا، جمال العقاب. آخذه إلى الشلّالات، والمياه تتدفّق بصخب بلّوريّ. طُفرة ألمّت بأنواع العصافير والحيوانات التي جاءت معنا من الأرض في حاويات التبريد. السّمامات ضخمة كالغربان، وأصواتها المرتبكة ترافقنا في الحُرج أيضًا، حيث تتشابك فروع الأشجار الأصلانيّة بعضها ببعض، تنضح بالمراثي. وينصّ قانون فلكيّ على أنّ القمر الرابع للكوكب السيّار المُحاط بالدوائر صالح لسكنى البشر في أغلب الحالات. النهاية مبتذلة هي الأخرى وتنضح بالأسرار بلغة لا يتقنها أحد. يركض إسماعيل بمُتعة، يضحك لنكاتي المتلعثمة، ابن ذاكرتي، وليد التفكير والتوْق.
نبتة تشبه المرجان الليلكيّ تتعربش على جدران المُغر، وتصنع دوائرَ من الرمل في داخلها. أجسّد له الأمر. لو مددنا عصًا، تخرج من الرمل محالق، في طرفها فم صغير جدًا، أسنان، تدندن لحنًا ما وهي تلتفّ حول العصا وتعضّها. لحم المحالق لذيذ، شهيُّ للغاية، لو طُبخ كما يجب. الفم مُسمّم، الفم يُفرز حمضًا وسُمًّا. أكاد أفقد توازني وأنا أشدّ العصا التي تحمل آثار العضّ. على الأبخرة الصاعدة منها تُرسم صور مُموَّهة، خطوط رسم ضبابيّة. المتطرّفون يستخدمونها كوسيلة للتخمين. أتوجّه إليه وأبتسم ابتسامة ساخرة، منّي، من حركتي الثقيلة، لكنّ الشكّ بدأ يملأ عينيْه، تنحسر نظرته إلى الداخل، أعضاؤه تتصلّب أيضًا. فجأةً أدرك كم أنا مُسنٌّ، أكبر عمرًا ممّا ثُبّت في ذكرياته. إسماعيل، أقول. في المرة القادمة التي سنلتقي فيها سأكون أكبر عمرًا بسنتيْن ونصف السنة بالتوقيت المحليّ وسيكون ابن ستّ سنوات، وسيُدرك الأمر في وقت مسبق.
من أنتَ، يقول إسماعيل. أنا أبوك، أقول. ماذا حدث لك، يقول ويخطو للخلف. توقف، أقول له، توقف. رجلاه تلامسان حدودَ مرجان أخرى. في داخل دائرة الرمل صفة مُتّقدة. تلمع في ذهني فكرة لبضع ثانية، ربما يجب أن تكون النهاية هكذا، حادثة. لماذا لم يفكّر بهذا أحد غيري. تسعة وعشرون طريدًا يرفضون تجسّد أولادهم، وهم يدّعون أنّ هذا رجسٌ، لكنّهم أقليّة. وهناك المتطرّفون، الثمانية والسبعون الذين يسجدون للتجسّد، والذين يقولون إنّه طريقة للتطهّر من الإثم. سمعتُ أنّهم يُصلّون لاستنساخ أولادهم لمّا يحين دورهم. ولكن نحن، البقيّة، نرى في الأمر النعمة القاسية التي أنعم بها حُكّامنا، التجسّد هو الحقّ باستراق النظر إلى أولادنا وهم منغمسون في فترة براءتهم. يقولون إنّ قساوة العقاب مشتقة من فداحة المخالفة. استفقنا من نومتنا المتجمّدة عندما هبطت المركبة الفضائيّة على وجه القمر في مجرّة شمسيّة مجهولة. التكنودرويد الذي أشرف على الرحلة قال لنا إنّنا عُقّمنا، وإنّ المركبة الفضائيّة مُجهّزة بغرفة شحن تُحفظ فيها ملفات منسوخة لأولادنا الصّغار، لكنّ فيها شرنقة لحميّة واحدة. والقمر يدور حول محوره، يدور حول كوكب سيّار غارق، ويدور معه حول شمس غريبة.
إسماعيل، أقول له، لا تتحرّك، أنتَ… من أنتَ، يقول، أنت تشبه أبي، لكنّك لستَ هو. أنا هو، أقول له. يقول، أنا لا أصدّقك. وأنا لا أصدّق أيضًا. ربما تكون هذه النهاية حتميّة. أنا أقول له، بصعوبة كبيرة أقول، اسمع قصّة، في بلد بعيد كان هناك ثلاثة أخوة. ينظر إليّ لدقائق طويلة. لون مُقلتيْه البُنيّتيْن يصبح أفتحَ. يقول بتردّد، هذه القصّة كلّها، هذه قصّة مُملّة. ماذا كنت ترغب بأن يحدث. يبتسم بإنهاك. أمس، قبل أن يغطّ في النوم، لعبنا اللعبة ذاتها. كلّ تفصيل من شتاء النوم إيّاه محفوظ معي، وتيرة المطر، رائحة الأوراق، تنفّسه المُضمحلّ، إصراره على محاربة صاحب الأحلام، رأسه المُبطئ على المخدّة. من خلاله، من خلال النسخة المكظومة، أراه كما يجب أن يكون، عيوبه الفتيّة، بريقه، رغباته وخيباته، وأنا أحبّه، أحبّ شخصيّته الآتية من المستقبل التقديريّ للماضي، يأتي إليّ مع أوجاعه وسعادته، جدير بالعَزاء، جدير بقوّة السنين الشافية.
يقول، ما أسماؤهم. أقول، لماذا، كيف وأيّها لا. يقول، وأين سكنوا. أقول، لماذا سكن على الأرض وأكل اللفت، وكيف سكن في الماء واصطاد الأفاعي وأيّها لا يسكن في الهواء. في الهواء، يقول. في الهواء، أنا أقول، انتقل من مناخ إلى مناخ ورعى الرياح. قصّة مُملّة، يقول. وكان يدخل بين السّديم ويبحث هناك عن خارطة بم-بلبم-نم. خارطة ماذا، يقول. خارطة أيّها لا، أقول. يضحك. بشكل يكاد يكون طبيعيًّا. رجله تحتكّ بأطراف نبات المرجان. أريد العودة إلى البيت، يقول. وأنا أيضًا، أقول، رغم أنّ الرقّة بدأت تمتزج بذعر أشعر به. أمدّ له يدي. يُدير رأسه ويسترق النظر إلى وجه الرمل، إلى البثور تحته. تعال، أقول بجهد، سنعود سويةً. لكنّه لا يُدير وجهه إليّ، ولا يردّ.
Comments